التعريف العلمي لظاهرة الاشتعال الشامل
الاشتعال الشامل (Flashover) هو ظاهرة تصل فيها درجات حرارة أسطح جميع المواد القابلة للاشتعال في مكان مغلق (غرفة، مكتب، مستودع وغيرها) أثناء استمرار الحريق، إلى درجة الاشتعال في وقت واحد بسبب الحرارة الإشعاعية الهائلة المنبعثة، فتشتعل جميعها فجأة خلال ثوانٍ معاً. هذه ليست انفجاراً، بل مرحلة اختلال حراري وانتقال. فحتى هذه اللحظة يتقدم الحريق "بتحكم من الوقود" (أي بحجم الجسم المحترق فقط)، أما بعد وقوع الاشتعال الشامل فيتحول تماماً إلى وضع "التحكم بالتهوية/الأكسجين"، ويتحول كل ما في الغرفة إلى كتلة لهب واحدة عملاقة.
كيف يُصار إلى مرحلة الاشتعال الشامل؟ (المسار الزمني)
يستغرق وصول لهب صغير في غرفة ما إلى مستوى الاشتعال الشامل بضع دقائق عبر المراحل التالية، وذلك حسب نوع المواد في الغرفة وتيار الهواء:
يرتفع الدخان والغازات الساخنة (كأول أكسيد الكربون وغيره) المنبعثة من أول جسم يشتعل، كالسرير أو الأريكة أو الطاولة، سريعاً نحو السقف لخفتها. تبدأ طبقة الغاز الساخن المتراكمة عند السقف (الطبقة الحرارية) بعكس حرارة إشعاعية هائلة (موجة حرارية) نحو أرضية الغرفة.
تؤدي هذه الحرارة الإشعاعية الكثيفة المنطلقة من الأعلى إلى الأسفل إلى تفكيك البنية الكيميائية للأثاث والستائر والبلاستيك الواقعة في الطرف الآخر من الغرفة والتي لم تلامس اللهب بعد، مما يؤدي إلى انبعاث غازات قابلة للاشتعال (انحلال حراري).
عندما تصل حرارة السقف إلى ما بين 500 و600 درجة مئوية تقريباً، ويتجاوز التدفق الحراري المرتد إلى الأرضية قوة معينة (بمعدل 20 كيلوواط/م²)، تشتعل جميع الأجسام في الغرفة تلقائياً خلال ثوانٍ دون أي تلامس مع شرارة.
لماذا الاشتعال الشامل بهذا الخطورة؟
بالنسبة لخبراء التحقيق الجنائي في الحرائق وفرق الإطفاء، تمثل مرحلة الاشتعال الشامل نقطة تحول لا رجعة فيها:
بعد وقوع الاشتعال الشامل، تقفز درجة الحرارة داخل الغرفة فجأة إلى ما فوق 800-1000 درجة مئوية. لا تصمد في هذه البيئة أي معدات واقية، بما فيها بدلات رجال الإطفاء الحديثة، وتنعدم تماماً فرص بقاء من بالداخل على قيد الحياة.
يؤدي الحمل الحراري الشديد إلى تشقق الخرسانة، وفقدان الإنشاءات الفولاذية لمقاومتها وانحنائها، وتضرر الأعمدة الحاملة، مما يُحفز خطر انهيار المبنى.
إن اللهب الهائل والغازات المفرطة السخونة المتدفقة من الغرفة بعد الاشتعال الشامل، والتي تخرج من تحت الأبواب أو النوافذ، تُشعل بسرعة نفاثة غرف المبنى الأخرى وممراته أيضاً.
دراسة الاشتعال الشامل من منظور التحقيق الجنائي في الحرائق
بالنسبة للخبراء القضائيين الذين يفحصون مسرح الحريق، فإن فهم ما إذا كان الاشتعال الشامل قد وقع أو لم يقع يمكن أن يغيّر مسار القضية بأكملها:
قد يخفي الاشتعال الشامل، لكونه يُحرق كل شيء في الغرفة بشكل متجانس، النقطة الفعلية التي بدأ منها الحريق (نقطة المنشأ). ويضطر الخبراء إلى التمييز مجهرياً بين آثار الاحتراق العميقة السابقة للاشتعال الشامل والاحتراق السطحي اللاحق له.
اعتماداً على نوع الأغراض الموجودة في الغرفة، تُحاكى الدقيقة التي وقع فيها الاشتعال الشامل باستخدام نماذج رياضية للحريق. وبذلك تُجاب بدقة أسئلة قانونية مثل "هل تأخر رجال الإطفاء؟" أو "هل عملت أنظمة إطفاء الحريق في الوقت المناسب؟".
