صورة غلاف مقالة هل الاشتعال التلقائي ممكن؟
بنك المعلوماتمراجعة تفصيلية

هل الاشتعال التلقائي ممكن؟

احتمال إشعال المواد للحريق من تلقاء نفسها بفعل تفاعلاتها الكيميائية الداخلية، دون وجود لهب خارجي أو شرارة أو مصدر حرارة اصطناعي.

الأساس العلمي للاشتعال التلقائي

الاشتعال التلقائي، المعروف بين الناس بـ"الاشتعال الذاتي"، ظاهرة حقيقية وعلمية تماماً. فدون تدخل خارجي من عود ثقاب أو ولاعة أو قوس كهربائي، تبدأ هذه الظاهرة بتراكم الحرارة الناتجة عن تفاعلات كيميائية أو بيولوجية طاردة للحرارة تحدث داخل المادة نفسها، والتي لا تستطيع التبدد إلى المحيط. وفي اللحظة التي تصل فيها هذه الحرارة الداخلية المتراكمة إلى درجة حرارة الاشتعال الذاتي للمادة، تشتعل المنطقة فجأة. وإذا لم يكن في الوسط تهوية كافية لتبديد هذه الحرارة، يتحول الاشتعال التلقائي حتماً إلى كارثة.

أكثر المواد شيوعاً في إثارة الاشتعال التلقائي

أبرز المواد المعرَّضة لخطر الاشتعال الذاتي في المنشآت الصناعية والمستودعات وحتى المنازل هي:

زيت بذر الكتان والقماش المُشبَّع بالزيت

تُعد قطع القماش المُشبَّعة بالزيوت النباتية/الصناعية المستخدمة خاصة في مصانع الأثاث، أو ورش دهان السيارات، أو المطاعم، أكبر مجموعة خطر. تبدأ هذه الزيوت بالتأكسد عند تلامسها بالهواء. والتأكسد عملية طاردة للحرارة. فعندما تُكدَّس هذه القطع فوق بعضها وتُلقى في دلو، لا تستطيع الحرارة المتولدة بداخلها الهروب، فتُشعل القماش من تلقاء نفسها.

النفايات البيولوجية والسماد وأكوام القش

ترتفع درجة حرارة بالات القش الرطبة أو أكوام السماد الكبيرة المتروكة في المستودعات الزراعية أو المزارع بيولوجياً بفعل التكاثر السريع للبكتيريا والكائنات الدقيقة بداخلها. وحين يرفع هذا النشاط العضوي درجة الحرارة الداخلية فوق 70-80 درجة مئوية، تُفعَّل العمليات الكيميائية ويبدأ كوم القش بالاحتراق من مركزه.

مستودعات وصوامع الفحم

تمتص أكوام الفحم أكسجين الهواء ببطء، مما يُشعل احتراقاً منخفض المستوى (أكسدة) على السطح. وحين تجتمع الحرارة المتراكمة في قاعدة مستودعات الفحم الضخمة مع الضغط، تتسبب في تحول الفحم فجأة إلى جمر من الداخل ثم اشتعاله.

التمييز عن الحريق العمدي في التحقيق الجنائي

كثيراً ما تُقيَّم حرائق الاشتعال التلقائي خطأً من قبل فرق التحقيق في موقع الحادث على أنها "حريق عمدي أو تخريب"، لأن الحريق لا يظهر ظاهرياً أي سبب منطقي (كهرباء، موقد وغيرها). ويميّز خبراء التحقيق الجنائي في الحرائق بين الحالتين استناداً إلى الأدلة التقنية التالية:

نمط الاحتراق النابذ (الاحتراق من الداخل إلى الخارج)

في الحريق العمدي الكلاسيكي، يتقدم الحريق من خارج السطح الذي سُكب عليه المسرّع نحو الداخل. أما في الاشتعال التلقائي فيُلاحَظ نمط معاكس تماماً؛ إذ تتحول النقطة المركزية للكومة (القماش أو القش) بالكامل إلى رماد، بينما تتضرر الطبقات الخارجية بدرجة أقل. أي أن الحريق نما من الداخل إلى الخارج.

التحليل الكيميائي (التحقق عبر GC-MS)

تُختبر العينات المأخوذة من مسرح الحريق في المختبر. فإذا لم يُعثر في الوسط على أثر لوقود خارجي (مسرّع) كالبنزين أو التنر، بل عُثر فقط على مشتقات أكسدة الأحماض الدهنية غير المشبعة (كزيت بذر الكتان وغيره)، يُوثَّق الحدث على أنه اشتعال تلقائي لا تخريب.

ملاحظة الخبير الجنائي
"باختصار؛ الاشتعال التلقائي نوع خفي من الحرائق تُحدثه الطبيعة من تلقاء نفسها. إن التحقيق الجنائي في الحرائق، بقراءته الصحيحة للعالم الداخلي للمواد تحت الأنقاض في مسرح الحادث المدمَّر واتجاه الاحتراق (من الداخل إلى الخارج)، قادر على إنقاذ صاحب منشأة بريء من تهمة حريق عمدي ظالمة أو من ضياع حقوقه التأمينية."